بدأت سلطة بورتسودان تحركاً دبلوماسياً داخل أروقة الأمم المتحدة في محاولة للحيلولة دون تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في وقت تتواصل فيه الاتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة من مختلف أطراف الحرب.
وطلب مندوب سلطة بورتسودان لدى الأمم المتحدة في جنيف حسن حامد حسن من سفراء الدول الأعضاء في مجموعة «الدول النامية المتشابهة في التفكير»، التي تقودها الصين، مساندة موقف الخرطوم الرافض لتمديد ولاية البعثة خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، المقرر عقدها في جنيف بين 7 سبتمبر و9 أكتوبر 2026.
ولم يسفر الاجتماع عن بيان مشترك أو تعهد جماعي بمعارضة التمديد، كما لم تعلن الصين أو أي من الدول التي خاطبها المندوب السوداني تبني موقف سلطة بورتسودان، واقتصر الاجتماع على الاستماع إلى طلب الجانب السوداني.
وأوضح مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف عبد الباقي جبريل أن ما جرى يمثل تحركاً أحادياً من سلطة بورتسودان لاستمالة مجموعة الدول متشابهة المواقف، وليس موقفاً موحداً أو قراراً ملزماً صادراً عن الدول الأعضاء.
خلاف بشأن دور بعثة تقصي الحقائق
وبرر مندوب بورتسودان موقفه بوجود ثلاث آليات دولية أخرى معنية بالسودان، هي مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والخبير المعين بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان، وفريق الخبراء المنشأ بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591.
واتهم بريطانيا ودولاً غربية أخرى بالسعي إلى الإبقاء على ما وصفه بـ«آلية رابعة»، معتبراً أن مشاريع القرارات المتعلقة بالسودان تساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع وتتجاهل التحقيقات الوطنية.
في المقابل، يرى حقوقيون أن بعثة تقصي الحقائق تختلف في طبيعة تفويضها عن الآليات الأخرى، إذ تتولى التحقيق في الانتهاكات والجرائم المرتكبة في مختلف أنحاء السودان، وجمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤولين عنها، بما يمكن أن يدعم جهود المساءلة أمام المحاكم الدولية أو الوطنية.
وأكدت 68 منظمة حقوقية ومدنية، بينها «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية»، ضرورة تمديد ولاية البعثة لعامين وتوفير الموارد والخبرات اللازمة لها لمواصلة التحقيقات وحفظ الأدلة، معتبرة أن أطراف النزاع لم تُظهر القدرة أو الاستعداد لإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة ومحايدة في الانتهاكات.
انتقادات لرفض دخول البعثة إلى السودان
ويواجه موقف سلطة بورتسودان انتقادات بسبب رفضها التعاون الكامل مع بعثة تقصي الحقائق والسماح لها بدخول البلاد والوصول بصورة مستقلة وآمنة إلى مواقع الانتهاكات والضحايا والشهود.
وبسبب ذلك، اضطرت البعثة إلى إجراء جانب كبير من تحقيقاتها من خارج السودان، بالاعتماد على إفادات الضحايا والناجين واللاجئين، إلى جانب تحليل الصور ومقاطع الفيديو وصور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة ووسائل التحقق الأخرى.
ويرى حقوقيون أن رفض السماح للبعثة بالوصول الميداني، بالتزامن مع المطالبة بإنهاء مهمتها بحجة وجود تحقيقات وطنية، يثير تساؤلات بشأن قدرة التحقيقات المحلية على ضمان المساءلة المستقلة.
وتشمل الاتهامات التي يجري التحقيق فيها انتهاكات منسوبة إلى أطراف مختلفة في النزاع، من بينها القتل خارج نطاق القانون والاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والتحريض العرقي وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
البعثة تحقق في انتهاكات الدعم السريع أيضاً
وتنفي طبيعة تفويض البعثة اتهامها بالانحياز إلى طرف دون آخر، إذ يشمل عملها التحقيق في الانتهاكات التي ترتكبها جميع أطراف الحرب وتقييم الوقائع استناداً إلى الأدلة والمعايير القانونية.
كما تناولت البعثة انتهاكات خطيرة منسوبة إلى قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها، بما في ذلك ما يتعلق بالأحداث في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
ويشير حقوقيون إلى أن تكليف البعثة بالتحقيق في الانتهاكات المحتملة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع يدحض الاتهامات بأنها تتجاهل جرائم هذه القوات، مؤكدين أن تفويضها يشمل جميع الأطراف دون استثناء.
معركة دبلوماسية قبل التصويت
وتأتي التحركات السودانية قبل انعقاد الدورة المقبلة لمجلس حقوق الإنسان، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق لعامين بدلاً من التجديد السنوي، وتعزيز قدرتها على جمع الأدلة وحفظها وإعداد ملفات يمكن الاستفادة منها في الملاحقات القضائية مستقبلاً.
وتطالب منظمات حقوقية مجلس حقوق الإنسان بمتابعة نتائج التحقيقات المتعلقة بالأحداث الأخيرة في السودان، ومواصلة التحقيق في الانتهاكات، فضلاً عن بحث أدوار الجهات الخارجية التي تسهم في استمرار الحرب.
وفي المقابل، لم يظهر حتى الآن موقف جماعي من الدول الـ28، بما فيها الصين، يؤيد مساعي سلطة بورتسودان لإنهاء ولاية البعثة.
ومن المقرر أن يكون مصير البعثة موضع نقاش داخل مجلس حقوق الإنسان خلال دورته المقبلة، في ظل استمرار الحرب وتراجع قدرة مؤسسات العدالة المحلية على إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف النزاع.
المصدر : وكالات
















