بقلم: نجوان حكمت
في البدء لم يكن العمل وظيفة، بل كان امتدادًا لوجود الإنسان.
لم يكن السعي مجرد بحثٍ عن رزق، بل محاولة خفية لإثبات الذات في عالمٍ مزدحم بالوجوه، خافتة فيه الأصوات، عالية فيه التوقعات.هناك، في تلك المسافة الصامتة بين الحاجة والمعنى، وُلد ما نسمّيه اليوم “الموارد البشرية”لكن الحقيقة أعمق من الاسم بكثير.
إنها ليست إدارةً تُنظّم، ولا قراراتٍ تُتخذ، بل هي سؤالٌ فلسفي متكرر:
كيف يمكن للإنسان أن يعمل… دون أن يفقد نفسه؟
في كل مؤسسة، تُبنى الجدران من قوانين، وتُكتب الأنظمة بحبرٍ صارم، لكن ما لا يُكتب هو الأهم:
ذلك الشعور الخفي بالانتماء… أو الغربة.
ذلك الصراع الصامت بين ما نفعله لنعيش، وما نعيشه لنشعر أننا أحياء.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
حكاية الإنسان حين يُختزل إلى “دور”،
وحين يحاول، رغم ذلك، أن يُبقي روحه حيّة داخل تفاصيل العمل اليومية.
فليست القضية أن نجد موظفًا مناسبًا بل أن نجد مكانًا لا يُطفئه
في عمق كل مؤسسة، خلف الجدران الصامتة والأنظمة الصارمة، يقف كيانٌ خفيّ يُحرّك كل شيء… إنّه الإنسان. ومن هنا، لم تعد الموارد البشرية مجرّد وظيفة إدارية تُعنى بالتوظيف والتعيين، بل أصبحت فلسفة وجود، تُعيد تعريف العلاقة بين العمل والروح، بين الإنتاج والمعنى، بين المكان ومن يسكنه.
*الموارد البشرية ما بين الإدارة والإنسان :.
ليست الموارد البشرية علمًا لإدارة الأفراد فحسب، بل هي محاولة لفهمهم؛ لفهم دوافعهم، مخاوفهم، طموحاتهم، وحتى صمتهم. إنها ذلك الفنّ الذي يسعى إلى تحقيق التوازن بين ما تريده المؤسسة وما يحتاجه الإنسان ليبقى إنسانًا.
فالموظف ليس آلة تُشغّل، ولا رقمًا يُستبدل، بل هو قصة كاملة تمشي على قدمين، تحمل ماضيها، وتبحث عن فرصة لتكتب مستقبلها.
*التعيين لحظة تتجاوز الوظيفة:.
التعيين في ظاهره إجراء، لكنه في حقيقته لحظة مصيرية.
إنه ليس اختيار شخص لوظيفة، بل اختيار روح لمكان، واختيار مكان لروح.
في تلك اللحظة، لا يتم فقط تحديد من سيعمل، بل يتم رسم ملامح علاقة قد تمتد لسنوات؛ علاقة بين طموحٍ يبحث عن فرصة، ومؤسسة تبحث عن معنى وجودها في عطاء هذا الإنسان.كم من شخصٍ غيّرته فرصةوكم من فرصةٍ ضاعت لأن الشخص لم يُفهم كما يجب.
*المفارقة العميقة في التعيين:.
تكمن المفارقة في أن المؤسسات تبحث غالبًا عن “الأفضل”، لكنها قد تغفل عن “الأنسب”.
فالأفضل قد يكون لامعًا في مكانٍ آخر، لكنه يبهت هنا والأنسب قد يبدو عاديًا، لكنه يزهر حين يجد بيئته.التعيين ليس سباقًا نحو الأعلى، بل هو انسجامٌ دقيق بين قدرات الفرد وروح المكان. إنه أشبه بزرع بذرة؛ لا يكفي أن تكون البذرة جيدة، بل يجب أن تكون التربة مناسبة.
*التعيين كمسؤولية أخلاقية:.
ما لا يُقال كثيرًا، أن التعيين مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون قرارًا إداريًا.لأنك حين تختار شخصًا، فأنت لا تمنحه وظيفة فقط، بل تمنحه وقتًا من حياته، وتؤثر في استقراره، وربما في كرامته.الاختيار الخاطئ لا يكلّف المؤسسة فقط… بل قد يرهق روح إنسان حاول أن ينتمي ولم يجد مكانه.
*ما وراء السيرة الذاتية:.
السيرة الذاتية تُخبرك بما فعله الإنسان لكنها لا تُخبرك من هو.
*هناك أشياء لا تُكتب:
كيف يتعامل مع الفشل، كيف يقف بعد الخسارة، كيف يُحبّ عمله، وكيف يصبر.وهنا يأتي دور الموارد البشرية الحقيقية؛ تلك التي ترى ما لا يُقال، وتسمع ما بين السطور.
*التعيين في زمن السرعة:.
في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبحت عمليات التوظيف أسرع وأكثر دقة من حيث البيانات، لكن الخطر يكمن في فقدان البُعد الإنساني.
فالخوارزميات قد تختار الأكفأ على الورق، لكنها لا تشعر بالشغف، ولا تقرأ العيون، ولا تفهم الصمت.
وهنا، تبقى الحاجة إلى إنسان ليختار إنسانًا.
خاتمة
إن التعيين ليس مجرد بداية وظيفة، بل بداية علاقة، وبداية تأثير متبادل بين الإنسان والمكان.
فكل قرار تعيين هو بذرة، إمّا أن تُثمر نجاحًا يمتد، أو تُهدر طاقة كان يمكن أن تُزهر.وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير:
الموارد البشرية ليست إدارة أشخاص بل حراسة للمعنى داخل الإنسان.
122 2 دقائق




