تقرير/ آلاء النعيمي
شكّلت أزمة مضيق هرمز واحدة من أخطر التحديات التي واجهها الاقتصاد العراقي خلال عام 2026، بعدما تسببت المواجهة العسكرية في الخليج بتعطيل شبه كامل لحركة ناقلات النفط، وهو ما انعكس مباشرة على صادرات العراق التي يعتمد عليها في تمويل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة.
ورغم أن العراق لم يكن طرفاً مباشراً في المواجهة، إلا أن موقعه الجغرافي واعتماده شبه الكامل على موانئ البصرة للتصدير جعلاه من أكثر الدول تأثراً بإغلاق المضيق، لتدخل صادراته النفطية مرحلة من الاضطراب الحاد قبل أن تبدأ تدريجياً رحلة التعافي مع إعادة فتح الممر الملاحي وعودة الناقلات إلى الخليج.
بداية الأزمة.. توقف الناقلات وتراجع الصادرات
مع تصاعد العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز أمام أغلب السفن التجارية، واجه العراق أزمة غير مسبوقة في تصدير النفط، إذ تعذر وصول الناقلات إلى الموانئ الجنوبية، ما أدى إلى امتلاء الخزانات النفطية داخل الحقول والموانئ.
وأجبرت هذه التطورات وزارة النفط وشركة نفط البصرة على خفض الإنتاج بصورة كبيرة، فيما أعلنت حالة القوة القاهرة في عدد من الحقول التي تديرها الشركات الأجنبية نتيجة تعذر تصدير الخام، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الإيرادات الحكومية.
البصرة.. القلب النفطي الذي تباطأ
تعد محافظة البصرة الشريان الرئيس لصادرات النفط العراقية، إذ تمر عبر موانئها البحرية غالبية الشحنات المتجهة إلى الأسواق العالمية.
وخلال ذروة الأزمة انخفض الإنتاج في الحقول الجنوبية بصورة كبيرة، بينما اقتصرت الكميات المنتجة على تلبية الاحتياجات المحلية وتشغيل المصافي، في حين بقيت آلاف البراميل دون تصدير بسبب غياب الناقلات البحرية.
خسائر اقتصادية وضغوط على الموازنة
اعتمدت الحكومة العراقية خلال الأزمة على الاحتياطيات المالية لتغطية النفقات الأساسية، إلا أن استمرار توقف الصادرات كان يهدد بخلق أزمة مالية واسعة، خاصة مع اعتماد الموازنة بشكل شبه كامل على العائدات النفطية.
كما تعرضت شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق إلى اضطرابات تشغيلية، وغادر عدد من العاملين الأجانب مواقع الإنتاج لأسباب أمنية، ما زاد من تعقيد عمليات التشغيل والإنتاج.
انفراج تدريجي بعد إعادة فتح المضيق
بدأت بوادر الانفراج مع التفاهمات التي سمحت باستئناف الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز، حيث عادت أولى ناقلات النفط إلى موانئ البصرة، وتم تحميل ملايين البراميل استعداداً للتصدير.
وكان وصول ناقلتين عملاقتين وتحميل نحو 2.3 مليون برميل من النفط العراقي أول مؤشر عملي على استئناف حركة التصدير بعد أشهر من التعطل.
استعادة الإنتاج وعودة الناقلات
بعد تحسن الوضع الملاحي، أصدرت شركة نفط البصرة توجيهات بإعادة رفع الإنتاج في عدد من أكبر الحقول، بينها غرب القرنة-1 والرميلة الشمالية والأرطاوي، بالتزامن مع عودة الناقلات إلى الموانئ الجنوبية.
وأظهرت بيانات الشحن أن السفن بدأت تغادر الخليج محملة بالنفط العراقي، كما طرحت شركات عالمية شحنات إضافية من خام البصرة للأسواق الآسيوية، في مؤشر على تسارع وتيرة التعافي.
تحديات لم تنتهِ
ورغم استئناف التصدير، لم تعد حركة النفط إلى مستوياتها الطبيعية بصورة كاملة، إذ استمرت شركات الشحن في التعامل بحذر مع الملاحة في الخليج، بينما ارتفعت تكاليف التأمين البحري والنقل.
كما أدت هجمات جديدة على سفن قرب مضيق هرمز إلى تراجع بعض الناقلات وإلغاء عدد من الشحنات، من بينها شحنة نفط عراقية كانت متجهة إلى الهند، الأمر الذي أكد استمرار هشاشة الوضع الأمني في الممر البحري الأهم لصادرات العراق.
انعكاسات على أسعار النفط
شهدت أسعار النفط خلال الأزمة ارتفاعات حادة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات العالمية، لكنها عادت لاحقاً إلى مستويات ما قبل الحرب مع زيادة إنتاج دول “أوبك+” وتحسن تدفق الصادرات عبر الخليج.
ورغم استمرار المخاطر الأمنية، فإن الأسواق بدأت تستعيد توازنها تدريجياً، مدعومة بعودة جزء كبير من صادرات الخليج إلى الأسواق العالمية.
هل تجاوز العراق الأزمة؟
نجح العراق في استعادة جزء كبير من صادراته النفطية مقارنة بذروة الأزمة، إلا أن التجربة كشفت هشاشة الاعتماد شبه الكامل على منفذ بحري واحد يمر عبر مضيق هرمز.
ويرى مختصون أن الأزمة أعادت إلى الواجهة أهمية تنويع منافذ التصدير، وتطوير خطوط الأنابيب البديلة عبر دول الجوار، وتعزيز الطاقة التخزينية، بما يقلل من تأثير أي أزمات جيوسياسية مستقبلية على الاقتصاد العراقي.
وبينما استعادت موانئ البصرة نشاطها بصورة متدرجة، تبقى صادرات العراق النفطية مرتبطة باستقرار الخليج وأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي لا يزال يمثل شرياناً حيوياً لاقتصاد البلاد ولأسواق الطاقة العالمية.
















