الخطى/ عبد العزيز حسين علي
أطلقت مؤسسة قنطرة الثقافية مطلع نهاية الشهر الحالي برنامجها الموسوم ( براحة الحِرف) والذي تضمن مجموعة من الأنشطة الثقافية تجسدت من خلال إقامة محاضرة علمية خاصة حول ( تاريخ التجارة في البصرة ) قدمها أستاذ حضارة العراق القديم في كلية الآداب جامعة البصرة د. عادل هاشم علي بتاريخ 19-07-2026 وأخرى حملت عنوان ( البصرة وصناعة الخزف الإسلامي ) قدمتها الفنانة التشكيلية د.جنان محمد وذلك في مقر مركز التراث والمخطوطات البصري في محلة الباشا وسط المدينة القديمة بحضور عدد من الباحثين والمهتمين .
فيما أعلنت رئيسة المؤسسة تمارا العطية عبر صفحتها الرسمية على الفيس بوك عن إنطلاق مشروع براحة الحِرف و هو برنامج تنفذه مؤسسة قنطرة بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني، و منظمة اليونكسو، و الاتحاد الأوربي لإعادة تقديم و تعليم الحرف التقليدية ذات الهوية المحلية ضمن ورش نظرية و عملية شاملة خلال موسم الصيف.
وعن النشاط الأول تحدث هاشم في محاضرته ابداءً عن الموقع الجغرافي الذي تتمتع به مدينة البصرة في المنطقة ، موضحا ذلك عبر خرائط الأقمار الاصطناعية و مشيرا إلى الممرات المائية القديمة والحديثة التي تشكلت على سواحلها ، وعطفا على ذلك قال ، أن المكان الذي توجد فيه البصرة اليوم كان يسمى (الابولو) او الابلة في اللغة الاكدية وتعني (المدخل) وحيث أن هذه التسمية تدل على الطبيعة الجغرافية لمدينة البصرة المطلة على البحر ، وكشف ان نهر الفرات كان يصب مباشرة في الخليج قبل أن يتغير مساره باتجاه الشرق ليلتقي مع نهر دجلة ليشكلا معا شط العرب سنة 250 م و يعد ذلك احد اهم العوامل التي ساهمت في هجرة السكان من موقع البصرة القديمة في قضاء الزبير الحالي الى موقعها الجديد المعروف اليوم في مناطق المشراق ومحلة البصرة القديمة والعشار ، وأشار أن البصرة سباقة في التمدن والتحضر ورائدة في التجارة المائية وان أقدم مهنة اختص بها أهل البصرة هي حرفة سك العملات الذهبية وكان ذلك سنة 332 ق م في مناطق شمال البصرة ، التي تحولت فيما بعد إلى مهنة الصياغة على اليد الكلديين والصابئة ، كذلك في العصر الإسلامي فان سك العملة كان أيضا في البصرة وتحديدا في زمن الإمام علي عليه السلام سنة 41 هـ ، فيما استعرض هاشم على شاشة القاعة بعض الخرائط القديمة و مخطط تقريبي لأسواق مدينة البصرة خلال القرن الثالث الهجري يظهر فيه أماكن تواجد أصحاب المهن والحرف ومنهم على سبيل المثال ( الدباغون ، سوق الإبل ، التبانون ، الوزانون ، القصابون و رحبتهم ، الخلالون ، سوق الدقيق ، الشعارون ، الصوافون ، وأصحاب السقط وهؤلاء بمثابة ما يعرف اليوم ببائعي البالات كذلك مهنة القصّار وهي تبيض الملابس وغيرهم من أصحاب الحرف آنذاك ) وبين أن الملاحة في البصرة بدأت مع قوميات تسمى ( السيابجة ) الذين جاءوا من الهند وهم مختصون في صناعة السفن والملاحة حيث سبق وان أنزلهم بعض القادة المسلمون في البصرة أمثال أبو موسى الأشعري في عهد الخلافة الراشدة ، فيما اختتم محاضرته باستقبال مجموعة من المداخلات والتعقيبات حول ما ورد في مضمونها .
فيما شهد اليوم الثاني من البرنامج محاضرة الفنانة التشكيلية جنان محمد التي تحدثت حول صناعة الخزف الإسلامي في البصرة والتي كانت تمثل محطة مضيئة في تاريخ الفنون الإسلامية بهذا المجال إبان العصر العباسي وقبله ، حيث تميزت بابتكار تقنيات الخزف المصقول ذي البريق المعدني والذين اعتمد الحرفيون المحليون آنذاك في صناعة هذا النوع من الفخار على طين ضفاف الأنهار الخالي من الأملاح ، فضلا عن تطبيق طبقات التزجيج المتقنة بالرسومات النباتية والهندسية التي تعكس الذوق الإسلامي الرفيع آنذاك ، وكشفت جنان محمد عن أقدم شاهد آثاري ينسب إلى الصناعة الخزفية في البصرة قبل فترة العصر العباسي عثر عليه في مدينة الرقة السورية على نهر الفرات مكتوب عليها العبارة ( اشربوا في صحة وعافية واشكروا الله على هذا الماء العذب ، صنعت في البصرة على يد يحيى بن أمية لحاكم الحيرة الكريم المحسن) ، وبينت محمد مدى تأثر الصين في الصناعة الخزفية البصرية حيث ان الأواني الإسلامية المبكرة ذات اللونين الأزرق والأبيض شقت طريقها لاحقا إلى الصين مع التجار المسلمين ويرجح انها ألهمت الخزافين الصينيين لإجراء أولى تجاربهم على هذا التوافق اللوني ، وأضافت ان أقدم الأواني الصينية الزرقاء والبيضاء التي كشف عنها مؤخرا في مدينة تشوانشتو تظهر تأثيرا بالمفاهيم الإسلامية المبكرة للتصميم التجريدي كما في الأواني المصنوعة في البصرة ، وبينت ذلك من خلال مجموعة من النماذج المصورة لهذه الأواني تم عرضها على شاشة القاعة أثناء سير المحاضرة .
وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة قنطرة الثقافية تعمد على تنظيم مجموعة متنوعة من البرامج المعنية بالجوانب التراثية و الفنية العامة ضمن خطط منهجية متسلسلة شأنها تعزيز الحراك الثقافي في المدينة بشكل نوعي لافت.
مؤسسة قنطرة الثقافية تعلن عن تنفيذ برنامجها الموسوم (براحة الحِرف)
















