بقلم :بلقيس خيري شاكر البرزنجي
أقليم كوردستان العراق- السليمانية
رحلة روحية نحو الله
في عصر الإضطراب تتعدد الدروب وفي زحمة الطرق المظلمة حيث تتشابك الظلال وتتراقص الأشباح، سلكت درباً طويلاً، يحدوني الأمل ويدفعني الشوق الى النور .وبينما كنت أسير، تراءت لي صور مؤلمة: تفرق المسلمين، وتكفير بعضهم لبعض كنت أرى بوضوح كيف تفرقت الأمة، وكيف أضحى التكفير سيفاً مسلطاً على رقاب الإخاء.كان الألم يعتصرني وأنا أرى هذا المشهد, وأنا أرى مجاميع ممن يدعون الإسلام يرفعون راية “لا إله إلا الله” فيقتلون ويسفكون الدماء باسم الله و رسوله “صلى الله عليه وأله سلم” ,تزهق الأرواح بغير حق، وتنتهك الحرمات .طالما حدثت نفسي وفطرة الروح أن ديني الذي ارتضاه الله لي ليس ما نراه ، وأن للإسلام وجهًا آخر، وجهًا جميلاً يختلف عن هذا التشويه الذي يراه الآخرون من أصحاب الديانات الأخرى. أن الاسلام في وسطيته و اعتداله هو فطرة الانسان بما صنع الله وهو نور للإنسانية عامة يضيء الدروب الى كل خير ، وجمال يأسِر القلوب. لطالما أضاءت هذه الشمعة قلبي، وهي تذكّرني بأن الله خلقنا سواسية، وأننا جميعًا عباده، وأننا إليه راجعون. لم يكن هناك غير التسليم لله سبحانه وتعالى . تفردت بأفكاري، وأصبحت راغبة عن المذاهب التي خالفت فطرة الإسلام وروح الحق والعدل .لا انكر المذاهب الاسلامية بل انكر الافكار المتطرفة والدخيلة عليها مخالفة ما أؤمن وأصدق من كلام الله ورسوله، في القرآن الكريم والشريعة المحمدية الغراء ، هكذا أصبحت.
كم كان يؤلمني كلام المتصيدين بالماء العكر، أولئك الذين لا ينفعون الخلق في شيء سوى الطعن في الإسلام. آمنت أن كل إنسان على الأرض يعرف الله بنور قلبه وهداية فطرته، وبدأت أشعر أنني كالورقة البيضاء وطفلة روح ، أبحث عن الجواب. راغبة بشوق عميق قوي أن أرى الإسلام الذي أعتنقه بصورته الحقيقية . تساءلت عن الأشياء الخفية عنا نحن المسلمين، عن المذاهب من الشيعة الى السنة الى غيرها من مذاهب و مدارس المسلمين, عن أسباب الأختلاف بينهم.
دوامة من الصراع كنت فيها أكملت السير والبحث في هذا النفق المظلم، و لكنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا , بنوره و هديه وجدت النور.
نور يظهر لي في نهاية النفق، بصيص أمل، نداء اسمعه, يقول لي: ( هيا الى أنوار محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة عليه صلاة الله وسلامه وعلى آله وصحبه.)
ها أنا اخرج من النفق المظلم، الى آفاقٍ جديدة تفتح لي، إلى عالمٍ جميلٍ جدًا، أرى فيه ديني واضحاً، لا تشويه فيه. حيث أرى الفقير والغني على مستوى واحد، وأن المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي والايزيدي، شركاء في مجتمع الانسانية و روح الإسلام. لا جوع فيهم يمشون في آمان لهم ما لذوطاب من غذاء الروح والكرم المحمدي. “هنا بيت رسول الله”.
رأيت صورة لرجل نور مهيب وقور، ترى فيه روح سيدنا محمد النور الهادي عليه افضل الصلاة و السلام. يا لجمال هذا النور ..صورته التي زينت بوابة الدخول, كشمس تضيء درب الداخلين.. تسألت بأستحياء من هذا الرجل الذي عرفته الروح وجهلت إسمه النفس، إنه وليّ الله، الشيخ السلطان محمد المحمد الكسنزان.
كم يأسرني الخجل والحياء في حضرته . ثم ها أنا أبحث عن الاسم وما يحمله من معنى، وما معنى الكسنزان؟
امتدت الي يد مباركة بكتاب يشرح بالتفصيل, الطريقة العلية القادرية الكسنزانية. فهمت منه كيف في آخر الزمان!حيثُ تتلاطم أمواج الشك، تظهر الطريقة الكسنزانية منقذة كشمسٍ ساطعةٍ. الكسنزانية حقيقةٌ تتوهجُ في القلب، تنيرُ الدروبَ، وتُزيلُ غشاوةَ الباطل. توضح لنا أن الإسلامُ، ليسَ دعوةً إلى الكراهية، بل إلى المحبةِ المطلقة. هي الوصيةُ الخالدةُ بالرحمةِ والتسامح، مستحضرة بحق سيرةِ الحبيبِ المصطفى عليه الصلاة و السلام، وتتفتحُ أزهارُ الحكمة، وتتجلّى أسرارُ المعرفة. هنا، نتعلمُ جوهرَ ديننا، الحقائقَ التي حاولَ أعداءُ الحقِّ حجبَها, وننهلُ من معينِ المشايخ، فنكتشفُ أنَّ العشقَ الإلهيَّ هو البلسمُ الشافي. عشقُ اللهِ ورسولِهِ، هو النورُ الذي يضيءُ العتمة، وهو الشفاءُ من جراحِ الحياة. هنا تدرك ان التصوفَ ليسَ انغلاقًا، بل انفتاحٌ على نورِ الحقيقة, وهو فهمُ الإسلامِ بلا تعصبِ, وأن دينُنا يسرٌ، وطريقٌ ممهدٌ إلى الله. وقلوبنا معلقة باللهِ ورسولِهِ والأولياءِ الصالحين , ندرك يقيناً أن التصوف هو ملاذ هذا العالم , وأن الطريقة الكسنزانية هي طريق النور الذي يجب أن يدرك كل مسلم يبحث عن حقيقة دينه, ليرى نور الحق.
أصبح لدي شغف لا يوصف للذهاب إلى التكية حيث بيت رسول الله، و ها أنا انطلق مع زوجي بشوق لزيارة الشيخ السلطان. و ما أن وطئت قدماي المكان، حتى بدأ قلبي بالخفقان.هنا حيث يرقد الشيخ السلطان محمد المحمد الكسنزان، قبة خضراء تعلو المقام الشريف ، كأنها قبة مسجد الرسول، تنتشر نفحات الملائكة وروح العشق الإلهي في مرقد حضرة الشيخ محمد المحمد الكسنزان﴿ قدس الله سره﴾.
توضأت ودخلت المرقد أنا وزوجي، وبدأت أدعو، متوسلةً بالصلوات، طالبةً المدد من الله، ثم الرسول، ثم آل البيت و مشايخ الكسنزان، وصولًا إلى شيخي الحاضر، حضرة الشيخ الحاضر شمس الدين محمد نهرو الكسنزان الحسيني. في هذا المكان المبارك، تُستجاب الدعوات، وتأنس الروح بالنفحات المباركة. عطر من ياسمين الحب يملأ الأجواء، والراحة والسكينة تجدها هنا، لتجلي حزنك وهمك. تدرك أن روح الأولياء لا تغادرنا ، بل تبقى حية إلى يوم القيامة فينا ، تسير بأمر الله، تصنع لنا المعجزات في الدولة الروحية التي لا نشعر بها ولا نراها إلا إذا تمسكنا بحبل الحقيقة، ألا وهي الطريقة الكسنزانية.
هنا يتجلى العشق الإلهي في مرقد حضرة الشيخ السلطان محمد المحمد الكسنزان، قدست أسراره العزيزة ، ترى القلوب كيف تأنس وتناجي ربها هنا عند حضرة الشيخ سلطان، تتجلى أرواح المريدين هنا كشمس تُشرق في سماء العشق، رأيت عيون باكية، تريد فرصة للتوبة في هذا المكان المبارك ، وقلوب منكسره تجد راحتها هنا في جنب سلطانها تتقوى بالاستمداد كالربيع الذي يُحيي الأرض بعد موتها. بعد الانتهاء من زيارة شيخنا السلطان حمدت الله كثيراً أنه سبحانه هداني إلى الطريق وأنني في أسرة خير حيث كان شقيق زوجي وهو خليفة التكية سبيلا الى هذا النور المبارك.
__الوقفة الأولى في حضرة الذكر الكسنزاني المهيب حيث تجتمع أرواح العاشقين, تحفهم الملائكة وأرواح الاولياء.
أستوقفني! كل شيء وأنا انضم إلى فريق النساء لنبدأ بالذكر… حيث بدأ الذي يدير جلسة الذكر بذكر اسم الله أولاً: ” الله استغفر الله دائم استغفر الله لك الحمد يا قدوس لا اله الا الله .. الخ ، ثم سورة الاخلاص ثم طلب المدد من الله ومن سيدنا الرسول ومن سيدنا الامام علي و من سيدنا الشيخ عبدالقادر الكيلاني الى الشيخ عبدالكريم شاه الكسنزان الى الشيخ السلطان محمد المحمد والشيخ الحاضر شمس الدين محمد نهرو الكسنزان ، ثم الصلوات والدعاء . في خضمّ هذا السردِ الروحانيّ، أستوقفوني آداب الذكر، حيث ينحني المريد إجلالاً، مُستقبلاً التحية بانحناءٍ يفيضُ أدباً، ثم يرفعُ يديهِ هاتفاً, كأنّ الملائكةَ تُحيطُ بنا، تُعانقُ أرواحَنا الشفيفة، التي تصقلها دروبُ الطريقة وأذكارها ، حتى تغدو كالزجاجٍ النقيٍّ، الذي لا تشوبُهُ شائبة. ثمّ يبدأُ قرعِ الدفِّ الصوفيّ، فتبدأُ الرؤوسُ بالتحرّكِ، ضرباتٌ مُتتاليةٌ من القلبِ إلى القلب، في غمرةِ هذا الفيضِ، لا أعرفُ أين أنا، ولا من حولي، عندما يصدحُ الصوتُ بـ “كلّكم عونٌ ومدد، حيّ الله” كل ما أشعرُ به أنّ روحي تحلّقُ في السماء، تطلبُ العون والمدد من الأولياء وآل البيت، وصولاً إلى حضرةِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ إلى خالقي، الله عزّ وجلّ. أُحرّكُ رأسي، وأهتفُ بقلبي “الله”، فأشعرُ أنّ قلبي يشرعُ في التطهّرِ، يذيبُ الذكرُ ذنوبَه، ويغسلُه من الخطيئةِ، ومن كلّ ما يُشينُ النفسَ البشرية. في ذروةِ العشقِ، عندما أُحرّكُ رأسي بالضرب على قلبي، تبلغُ روحي قمتَها، لا أشعر ولا أعيُّ الزمانَ ولا المكان، كلّ ما أشعرُ به هو العشقُ، نعم، عشقُ الله ورسولِه، وآلِ بيته، والأولياء، ومشايخنا. فالتصوّفُ أساسُه العشق، وكلُّ مريدٍ هو عاشق، فلا تصوّفَ دون عشق، فبالحبّ نعرفُ طريقَنا. أدركت حينها أهمية الأدب في الذكر، وكيف يمكن للتصوف أن يطهر الروح ويقربها من الله. إنه دعوة للتأمل في جوهر العشق الإلهي، وكيف يمكن للحب أن يكون طريقًا نحو المعرفة والاتصال الروحي العميق. وأدركت أن المريد الحق ليس من يرتدي رداءً أو يحمل لقبًا، بل هو من يمتلك قلبًا متواضعًا شفافا كالزجاج، يخشى الله في كل خطوة، ويحنّ على الخلق كالأم على وليدها. هو ذلك الشخص القادر على رؤية النور السرمدي في وقت أصبح الناس في ظلام دامس.
_وحينَ يصلُ الذكر في ختامه إلى كلمةِ “جلوس”، نجلسُ نحن عباده الاعزاء في حضرته، ونبدأُ في ذكرِ الله جالسين، بحركةِ رأسٍ مُنسابةٍ، ثمّ نختتمُ بسورةِ الفاتحةِ والصلوات. في حضرة العشقِ الإلهي نعرفُ شيخَنا الحاضر، ونعلمُ أنّه الشخصُ الذي ألهمه الله ليوحد صفوف البشرية ويجمعُ المسلمين على كلمةٍ واحدةٍ، بإذنِ الله تعالى.عندما وطئت قدماي عتبة حلقة الذكر، شعرت كأنني دخلت إلى عالم العاشقين، عالم تتغير فيه كل ذرة من كياني. بدأ الذكر يتغلغل في أعماقي، يصقل نفسي، ويطهرها من شوائب الدنيا الفانية. بعد انتهاء الذكر، توجهت لتناول العشاء ﴿في بيت رسول الله بيت السيدة فاطمة الزهراء البتول﴾. يا له من طعام مبارك! يشبع الجسد بروح الصدقة المحمدية ، ويغني القلوب الفقيرة اليه سبحانه.ارتويت من ماء التكية، هي بركة هدأت لها روحي، وغسلت وجهي بالماء الطهور المبارك من بيت الأولياء والصالحين.
_في هذا الكون الفسيح، تقف الأسرار الإلهية، كنجوم متلألأة في سماء المعرفة، يجدها المريد في الطريقة الكسنزانية، ذلك المصباح الوهاج الذي ينير دروب الهداية في ليالينا الحالكة التي يعيشها المسلمون في زمننا هذا، حيث تتشابك الظلمات، يغدو كل مسلم بحاجة إلى هذا النور. فمن لم يدرك الطريقة، كمن يسير في صحراء موحشة، لن يرى حقيقة الإسلام ولو بعد ألف عام. فكل مسلم لم يعرف هذه الطريقة، لن يعرف حقيقة الإسلام، إنها الطريق التي يقودها خليفة بأمر الله، نفهمه بلمحة، بنظرة، بالعشق، بالإيمان. هنا، في رحاب الطريقة، عرفت ديني حق المعرفة، عرفته بالعشق والحب، أنه احترام جميع خلق الله، بإطعام المسكين، وإيواء الفقراء. أدركت أن الدين محبة وإنسانية، قبل أن يكون فريضة تؤدى.
_ في هذا العالم المليء بالصراعات على السلطة والضجيج الذي بلغ ذروته بين ديانات العالم. يظهر شيخي شمس الدين محمد نهرو الكسنزان كمنارة أمل، حاملاً راية المحبة والرحمة. إنه ليس مجرد قائد، بل هو رمز للسلام والوحدة الدينية في ديننا الأسلام والبشرية جمعاء، يجسد في أفعاله أقوى معاني الإنسانية يعود بالاديان دينا واحدا خاليا من الاحقاد والنعرات شيخي هو خليفة الله على الأرض هو ولي من أولياء الله. لا يفرق بين البشر ولا يلتفت الى انتماءاتهم المذهبية والقومية، بل يرى في كل فرد بصيصًا من النور الإلهي. يؤمن بأن رسالة الطريقة هي العشق المطلق، الحب الذي يتجاوز الحدود والفروقات بين المذاهب والقوميات، الحب الذي يغفر ذنوب الإنسان مهما تاه في دوامة الظلال والسواد. والحب الذي يضيء العتمة وينير الدروب التائهين والباحثين عن نور الحقيقة…في زمن كثرت فيه الهرج والقتل باسم الدين، يقف شيخنا الحاضر حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان الحسيني داعيًا إلى الإصلاح وإلى مداواة القلوب. يعلم أن الناس مثقلون بالهموم، يخفون ضعفهم وراء أقنعة القوة، ويحتاجون إلى كلمة صادقة تلامس أرواحهم وتطيب أوجاعهم، وإلى يد حانية تمسح دموعهم، وإلى نظرة متفهمة تحتويهم. تعلمت من شيخي الحاضر أن الله هو الحب الذي في القلوب التي تعرف كيف تحب بصدق وإخلاص. هو في كل قطرة عرق تبذل في سبيل الخير، وفي كل خطوة تخطوها نحو الآخرين. هو في كل كلمة طيبة تجبر الخاطر، وفي كل عمل نبيل. في مدرسة الكسنزان، تعلمت أن التصوف هو أن تعيش بقلبك مع الله، وأن ترى نوره في كل شيء. تعلمت أن الحياة وجدت للتعرف على النور الإلهي على خالق الوجود ” الله” . وأن كل لحظة هي دعوة للتواصل مع الذات الإلهية. فلنجعل قلوبنا مرآة تعكس نور الله، ولننظر إلى الحياة بعين البصيرة، لنرى النور في كل مكان، حتى في أحلك الظروف. فقد تكون هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات أيها القارئ، هي مصباح الدجى التي تغير كل شيء، وتضيء دربك إلى الله. لنجعل من حياتنا رحلة نحو الحب، رحلة نحو النور، رحلة نحو الله. تمسك بنور الحق، بطريقتك، وبشيخك. فإنهما طريقك إلى الجنة.
118 7 دقائق




