بقلم: المحامي محمد سمير الإمارة
لا يمكن النظر إلى ما يسمى بالمدوّنة على أنها مجرد تنظيم قانوني لشؤون الأسرة، بل هي محاولة واضحة لتكريس سلطة دينية فوق سلطة الدولة، تمنح المراجع امتيازات لم ينص عليها لا الدستور ولا القانون، بل تتعارض مع جوهر النظام الدستوري. فقد جعلت المدوّنة كلمة المرجع الفقهي هي الحاسمة في إيقاع الطلاق، بينما تحوّل القاضي إلى مجرّد كاتب يدوّن الإفادات ويرسلها إلى المرجع ليبت فيها، ليكون القرار المرجعي نهائيًا وقطعيًا لا طعن عليه ولا مراجعة، وكأننا أمام محكمة إلهية لا تخضع للرقابة، وهذه سابقة خطيرة في دولة يُفترض أنها تقوم على مبدأ سيادة القانون. والأخطر أن المدوّنة منحت المرجع حق الإرث في عقارات الزوج المتوفى إذا لم يكن له وارث سوى أرملته، وبذلك يصبح المرجع منافسًا للزوجة في ميراث بيتها، وهو أمر لا يمكن قبوله في دولة حديثة، لأنه لا يمثل فقط انتهاكًا صارخًا للدستور بل يعدّ إهانة مباشرة لكرامة المرأة وحقوقها.
إن الدستور نصّ على مساواة العراقيين أمام القانون، لكن المرجع – وفق هذا التشريع – لم يعد مواطنًا عاديًا بل تحوّل إلى سلطة مطلقة لا تقدم كشوفات حسابية عن الأموال الهائلة التي ترد إليه، ولا تخضع رقابته لما يسمى بالحقوق الشرعية، والآن يُمنح صلاحيات قانونية تمس حياة الناس وبيوتهم. فأي دستور يقبل أن توجد سلطة لا مالية ولا قضائية تستطيع الدولة مساءلتها؟ والأسوأ من ذلك أن المدوّنة لم تحدد المرجع الذي سيتولى هذه الصلاحيات، وفي بلد متعدد المرجعيات، من سيكون صاحب الكلمة النهائية في النزاعات الأسرية؟ وماذا سيحدث عندما يختلف المرجعان في القضية ذاتها؟ إنها فوضى تشريعية غير مسبوقة تفتح الباب لانقسام مجتمعي حاد.
إن القانون وُجد لحماية الأضعف كالمرأة والطفل وكبار السن وضمان استقرار الأسرة، لا لتمكين المرجع من اقتحام البيوت أو انتزاع حقوق المرأة أو مصادرة القضاء. والقول بأن هذه النصوص تمثل “شرع الله” ليس سوى حجة واهية، فالفقهاء اختلفوا منذ قرون وما دام هناك خلاف، فالمجتمع أحق باختيار ما يخدمه من قوانين عادلة تحفظ كرامته وتتماشى مع الدستور. إن ما جرى إدخاله في هذه المدوّنة يمثل انتهاكًا دستوريًا صارخًا ومحاولة خطيرة لخلق دولة موازية داخل الدولة، فالمرجعيات الدينية تبقى محترمة في بعدها الروحي، لكنها ليست فوق الدستور ولا فوق القانون. وإذا مرّ هذا التشريع دون مراجعة، فإننا أمام انقلاب مقنّع على فكرة الدولة المدنية، وتحويل العراق إلى مجتمع محكوم بإرادة أفراد لا يخضعون لرقابة ولا محاسبة.
0 0 دقيقة واحدة