تتسارع خطى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشييد جيل جديد من المفاعلات النووية الصغيرة بهدف تلبية الطلب المتنامي على الطاقة في “عصر الذكاء الاصطناعي”، إلا أن هذا التوجه يصطدم بمعضلة مزمنة تتمثل في كيفية التخلص من النفايات النووية شديدة السمية.
وتعتمد الخطة الأميركية على استراتيجية تقليدية تقوم على دفن النفايات في أعماق جيولوجية كبيرة، غير أن المشكلة تكمن في عدم وجود مستودع عميق جاهز وقادر على استيعاب المخزون الحالي الذي يناهز 100 ألف طن، والذي يواصل الازدياد سنوياً.
“التطوع” مقابل الحوافز
في محاولة لكسر الجمود، طرحت وزارة الطاقة الأميركية مقترحاً يقوم على دعوة الولايات إلى “التطوع” لاستضافة مستودع جيولوجي دائم للنفايات، مقابل حزمة حوافز واسعة تشمل بناء مفاعلات نووية جديدة، ومنشآت لإعادة معالجة النفايات وتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى إنشاء مراكز بيانات متطورة.
ومنحت الوزارة الولايات مهلة 60 يوماً للرد على المقترح، الذي يضع القرار بيد المجتمعات المحلية مقابل استثمارات قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات. وفيما أبدت ولايات مثل يوتا وتينيسي اهتماماً أولياً، وصف ليك باريت، المسؤول السابق في هيئة التنظيم النووي، الخطوة بأنها “وضع حوافز كبيرة بجانب منشأة نفايات غير مرغوب فيها”.
هدف 400 غيغاواط
ويهدف ترمب إلى مضاعفة القدرة النووية الأميركية أربع مرات لتصل إلى 400 غيغاواط بحلول عام 2050، لمواكبة الطلب المتزايد من مراكز البيانات والتحول إلى المركبات الكهربائية. غير أن هذا الطموح يواجه إرثاً من الإخفاقات، إذ تبحث واشنطن منذ عام 1983 عن منشأة دائمة للنفايات، قبل أن تستقر عام 1987 على موقع “جبل يوكا” في نيفادا، وهو المشروع الذي أوقف الرئيس الأسبق باراك أوباما تمويله عام 2010 بسبب معارضة محلية ومخاوف تتعلق بالسلامة، رغم إنفاق نحو 15 مليار دولار عليه.
وتشير دراسات أميركية وأوروبية إلى أن القبول الشعبي للطاقة النووية يظل مشروطاً بوجود التزام واضح بدفن النفايات في أعماق الأرض، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تفتقر إلى مستودع عميق دائم قيد التشغيل.
سباق دولي وثغرات تقنية
وعلى الصعيد الدولي، تدعم دول مثل بريطانيا وكندا والصين والسويد المفاعلات النووية النموذجية الصغيرة لسهولة تشييدها وسرعة تركيبها. ورغم دعم واشنطن لـ11 تصميماً جديداً، يحذر خبراء من أن المصممين غير ملزمين بدمج حلول معالجة النفايات ضمن التصميمات الأولية.
وقال سيث تولر، العضو السابق في المجلس الفني لمراجعة النفايات النووية، إن “التسرع في الابتكار دون التفكير في النظام بأكمله ينذر بوضع سيئ للغاية”. وتظهر أبحاث أن هذه المفاعلات قد تنتج كميات نفايات تماثل أو تفوق المفاعلات الكبيرة، ما قد يحول مواقعها إلى مكبات “مؤقتة” تمتد لأكثر من قرن.
إعادة المعالجة… رهان مكلف
وفي حين تعيد فرنسا معالجة جزء من وقودها النووي المستهلك في منشآت متخصصة، لا تزال معظم النفايات الأميركية مخزنة قرب المفاعلات، بداية في أحواض تبريد ثم في حاويات خرسانية وفولاذية. ويرى مسؤولون سابقون في وزارة الطاقة أن محاولات إعادة المعالجة في الولايات المتحدة فشلت سابقاً، وترافقت مع مخاطر أمنية وتكاليف باهظة، مؤكدين أن نسب النجاح في الدول التي تعتمد هذا الخيار تبقى محدودة جداً.
ومع إضافة نحو 2000 طن من النفايات سنوياً، يواصل دافعو الضرائب تحمل كلفة متزايدة، إذ بلغت التعويضات المدفوعة حتى نهاية عام 2024 نحو 11.1 مليار دولار، مقابل تخزين وقود يبقى خطراً لآلاف السنين.
0 2 دقائق




