ذكرت مجلة فورين بوليسي أن أوروبا بدأت عملياً إعادة صياغة علاقتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، بعدما دفعت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية عدداً متزايداً من الحكومات الأوروبية إلى مراجعة عقود من الاعتماد الأمني والعسكري والتكنولوجي على واشنطن.
وأوضحت المجلة أن العواصم الأوروبية التي تعاملت في البداية مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض بمنطق “الاحتواء والتكيف”، بدأت تدرك تدريجياً أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بأسلوب الرئيس الأمريكي، بل بطبيعة التحول البنيوي داخل السياسة الأمريكية نفسها، في ظل تصاعد النزعة الانعزالية وتراجع الالتزام التقليدي بقيادة التحالف الغربي.
وأضاف التقرير أن أوروبا وجدت نفسها خلال العامين الماضيين أمام معادلة معقدة، إذ لا تزال تعتمد بشكل واسع على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها باتت ترى أن استمرار هذا الاعتماد يحمل مخاطر إستراتيجية واقتصادية متزايدة، خصوصاً مع القرارات الأمريكية المفاجئة التي تُتخذ أحياناً من دون تنسيق كامل مع الحلفاء الأوروبيين.
وأشار التقرير إلى أن القادة الأوروبيين سعوا في البداية إلى تجنب أي صدام مباشر مع إدارة ترامب عبر تقديم تنازلات سياسية واقتصادية، شملت زيادة الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، وتوسيع مشتريات الأسلحة الأمريكية، فضلاً عن استمرار الدعم المالي والعسكري لـأوكرانيا.
كما استشهدت المجلة باتفاق دوائي أبرمته بريطانيا مع إدارة ترامب، يُتوقع أن يكلف نظام الصحة البريطاني أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً، معتبرة أن ذلك يعكس حجم الضغوط السياسية والاقتصادية التي واجهتها لندن للحفاظ على علاقتها الخاصة مع واشنطن.
وفي الجانب التكنولوجي، قالت المجلة إن أوروبا بدأت تتخذ خطوات عملية للحد من الاعتماد على الشركات الأمريكية، مشيرة إلى قرار البنك المركزي الهولندي التخلي عن خدمات أمازون ويب سيرفيسز لصالح مزود أوروبي تابع لشركة ليدل الألمانية.
كما اختارت وزارة الدفاع في الدنمارك منظومة الدفاع الجوي الفرنسية-الإيطالية “SAMP/T” بدلاً من بطاريات “باتريوت” الأمريكية، في خطوة تعكس توجهاً أوروبياً متزايداً لدعم الصناعات الدفاعية المحلية.
وأشارت “فورين بوليسي” إلى أن التحولات الحالية تدفع أوروبا أيضاً إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالية عبر تحالفات متعددة الأطراف تقودها دول مثل بريطانيا وفرنسا، من بينها ما يُعرف بـ”تحالف الراغبين”، الذي يضم 35 دولة بينها كندا وأستراليا واليابان، ويركز على دعم أوكرانيا وإعادة بناء الأمن الأوروبي بعيداً عن الاعتماد الكامل على القيادة الأمريكية.
ونقلت المجلة عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قوله إن “النظام الدولي سيُعاد بناؤه انطلاقاً من أوروبا”، في إشارة إلى التحولات المتوقعة في موازين القوة السياسية والأمنية خلال السنوات المقبلة.
كما لفتت إلى أن الاتحاد الأوروبي يقترب من إطلاق برنامج قروض دفاعية بقيمة 150 مليار يورو، بالتزامن مع استعداد بولندا وليتوانيا لتوقيع اتفاقيات تسليح تصل قيمتها إلى نحو 50 مليار يورو.
وختمت المجلة بالقول إن هذه التحولات لا تعني انهياراً سريعاً للتحالف الأطلسي، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة تصبح فيها أوروبا أقل استعداداً لوضع أمنها واقتصادها بالكامل تحت المظلة الأمريكية، في تحول قد يعيد رسم شكل النظام الغربي خلال السنوات المقبلة.
“فورين بوليسي”: أوروبا تعيد صياغة علاقتها الإستراتيجية مع واشنطن وسط تراجع الثقة بسياسات ترامب
















