نغم مكي
كانت تمسك بيد حفيدها، تلف أصابعها الدافئة حول كفه الصغير بعناية وكأنها تحمل أغلى ما في العمر. الفرحة تملأ عينيها، رغم أنها لا تعرف قراءة الحروف المتراصة في الفايل الذي تحمله أمامها. كان الصغير يبدو كأمير في يومه الأول بالابتدائية، يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً، بنطال جينز، وحذاء رياضياً أنيقاً، وقفزاته الخفيفة تعكس سعادته الغامرة ببدء مرحلته الجديدة.
رغم تلك السعادة، كانت الجدة تحمل في قلبها حزناً طفولياً وخوفاً رقراقاً عليه من زرق الإبر في المستوصف. تمسح على رأسه وتهمس بأسى حنون:
“ليش يضربونه ماكو داعي؟ خطية مساع ضربوه وصار عنده سخونة…”
ثم تقلب الفايل برهبة وشغف، لتتوقف عند صورته الشخصية المطبوعة؛ تقرب الأوراق من وجهها وتقبل صورته بحنان بالغ ولهفة، ثم تتأملها بابتسامة متسعة وتقول بلهجتها البصراوية الدفيئة:
“يمه شحلاته يخبل!”
وكأن تلك الصورة الصغيرة تلخص بالنسبة لها كل جمال الدنيا.
لم يهمها التعب الذي أثقل كاهلها، ولا صعود الدرج الطويل لتسجيله في مستوصف البصرة، بل كانت تضحك وتمازحه بحب كبير. تحاول نطق اسم مدرسته الجديدة “مدرسة الفريد”، فتخطئ في الحرف الأخير وتكرر الاسم بطريقتها العفوية، ليضحك الصغير معها في خجل وفرح.
كانت تبدو وكأنها تطير في السماء من إفراط السعادة، لمجرد أن تراه برداء المدرسة يخطو أولى خطواته، كأنها هي من ستسجل في عامها الدراسي الأول وليس هو! كانت سعادتها تفوق سعادته، وكان ينظر إليها ببهجة وثقة، كأنهما طائران يحلقان معاً في سماء عالية لا تطالها الهموم.
وحين انتهت إجراءات التسجيل وأرادت النزول، أخذها الذهول الجميل وخطأت في مكان الباب من شدة فرحتها، لتلتفت وتضحك على سهوها البسيط، مكررة بكلماتها الأصيلة:
“يمه بعد روحي…”
وفي تلك اللحظة، ورغم الحيرة والتعب وطول الانتظار الذي أرهقني طوال اليوم، كان هذا المشهد الحي ينساب إلى قلبي ليمحو كل أثر للمشقة. مشهد قد لا أنساه طوال حياتي؛ لطالما رأيت مثله من بعيد ونسيته منذ زمن، لكنه اليوم أعاد في داخلي حنيناً جارفاً ولمس شغاف طفولتي. أدركت من جديد أن في هذا العالم جدات يحملن قلباً من حنان خالص، وأحفاداً يملؤون أرواحهم بالبر والوفاء… في ثنائية دافئة أضاءت عتمة الانتظار.
قميص أبيض كقلب جدتي
















