تواجه الولايات المتحدة مفارقة اقتصادية لافتة، إذ تسجل شركاتها أرباحاً قياسية مدفوعة بعوامل هيكلية قوية، في وقت تتزايد فيه التحديات التي قد تهدد استدامة هذا الأداء خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه الحالة مزيجاً من التفاؤل في الأسواق المالية، يقابله حذر متزايد لدى الخبراء بشأن قدرة الشركات على الحفاظ على وتيرة النمو المرتفعة، في ظل ضغوط اقتصادية وجيوسياسية متصاعدة.
أرباح قياسية رغم التباطؤ
وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، فقد سجلت أرباح الشركات الأميركية قبل الضرائب في الربع الأخير من عام 2025 أعلى نسبة لها من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 1947، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع وتيرة خلق الوظائف.
كما يتوقع محللو وول ستريت استمرار هذا الزخم خلال عام 2026، حيث رجّح مايك ويلسون، كبير مسؤولي الاستثمار في مورغان ستانلي، نمو أرباح شركات ستاندرد آند بورز 500 بنسبة تصل إلى 17%.
ودفع هذا التفاؤل المؤشر إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة، مدعوماً بعوامل رئيسية، أبرزها التقدم التكنولوجي، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي، واستمرار النمو الاقتصادي، إلى جانب سياسات نقدية ومالية مواتية خلال السنوات الماضية.
عوامل دعم قوية
تشير البيانات إلى أن تركّز السوق بيد عدد محدود من الشركات الكبرى منحها قدرة أكبر على التحكم بالأسعار وتقليل التكاليف، ما عزز هوامش الربحية. كما أسهمت بيئة أسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً، إلى جانب خفض الضرائب، في دعم أرباح الشركات بشكل ملحوظ.
مخاطر تهدد النمو
في المقابل، تتزايد المخاطر التي قد تحد من هذا الأداء، وفي مقدمتها الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تباطؤ نمو الأرباح، خاصة مع تراجع القوة الشرائية للمستهلكين وارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي هذا السياق، أشار رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق إلى أن التضخم الناتج عن تداعيات الحروب يضغط بشكل مباشر على الطلب، ما ينعكس سلباً على مبيعات الشركات وإيراداتها.
كما لفت إلى أن أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز قد تؤدي إلى صدمات سعرية في الطاقة، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
تكاليف مرتفعة وخيارات صعبة
من جانبه، أكد كبير محللي الأسواق في FXPro ميشال صليبي أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة يشكل ضغطاً مباشراً على هوامش أرباح الشركات، سواء عبر تكاليف الإنتاج أو النقل.
وأشار إلى أن الشركات باتت أمام خيارين صعبين: إما امتصاص التكاليف على حساب الأرباح، أو تمريرها إلى المستهلك، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب.
كما أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يزيد من تكلفة التمويل وأعباء الديون، ويضغط على تقييمات الأسهم، خصوصاً في قطاعات النمو.
موسم أرباح قوي.. لكن الحذر قائم
رغم هذه التحديات، لا يزال موسم الأرباح الحالي قوياً، حيث أظهرت بيانات “فاكت سيت” أن نحو 86% من الشركات التي أعلنت نتائجها فاقت التوقعات.
ومن المنتظر أن تعلن شركات كبرى مثل تسلا وبوينغ وإنتل نتائجها خلال الأيام المقبلة، ما سيعطي مؤشرات أوضح حول اتجاه السوق.
آفاق غير محسومة
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل أرباح الشركات الأميركية غير محسوم، إذ تتقاطع عوامل الدعم القوية مع مخاطر متزايدة، ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بتطورات التضخم والسياسات النقدية، إضافة إلى مسار الأزمات الجيوسياسية العالمية.
















