تثير الضغوط المتزايدة على السندات الفرنسية مخاوف من عودة اضطرابات الديون السيادية إلى منطقة اليورو، في ظل اتساع عجز الموازنة الفرنسية وارتفاع تكلفة الاقتراض، وسط تساؤلات بشأن قدرة البنك المركزي الأوروبي على احتواء التوترات ومنع انتقالها إلى أسواق أوروبية أخرى.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ، ارتفع العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية لأجل عشر سنوات، مقارنة بالسندات الألمانية المماثلة، إلى أعلى مستوياته منذ عام 2011، في مؤشر على تراجع الثقة في الوضع المالي الفرنسي. ولم تقتصر الضغوط على باريس، بل امتدت إلى سندات دول أخرى تعاني مستويات مرتفعة من الدين، بينها إيطاليا واليونان وبلجيكا.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان أزمة الديون السيادية التي اجتاحت أوروبا بين عامي 2009 و2015، عندما بدأت الاضطرابات في اليونان قبل أن تمتد إلى دول أخرى، مهددة الاستقرار المالي في منطقة اليورو.
عجز مالي وأزمة سياسية
تواجه فرنسا تحديات متراكمة في إدارة ماليتها العامة، بعدما أخفقت الحكومات المتعاقبة في خفض عجز الموازنة بالسرعة المطلوبة، فيما أدت جائحة كورونا وارتفاع التضخم إلى زيادة الإنفاق الحكومي وتكاليف خدمة الدين.
وتزداد صعوبة معالجة الأزمة بفعل الانقسامات السياسية داخل البرلمان الفرنسي، إذ واجهت الحكومات عراقيل في تمرير موازنات تتضمن إجراءات لخفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، ما أثار مخاوف المستثمرين بشأن قدرة البلاد على الالتزام بأهدافها المالية.
كما تكتسب الانتخابات الرئاسية المرتقبة أهمية إضافية في حسابات الأسواق، في ظل حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية التي قد تتبناها الإدارة المقبلة. ويخشى المستثمرون أن يؤدي استمرار الانقسام السياسي إلى تأخير الإصلاحات المطلوبة، بما يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد الضغوط على المالية العامة.
وأصبحت تكلفة الاقتراض الفرنسية أعلى من نظيرتها الإيطالية، في تطور يعكس حجم المخاوف المرتبطة بالوضع المالي والسياسي في فرنسا، إحدى أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي.
كيف يمكن أن تنتقل الأزمة إلى بقية أوروبا؟
لا تقتصر المخاطر على ارتفاع عوائد السندات الفرنسية، بل تشمل احتمال انتقال التوترات إلى أسواق أخرى، مع تزايد حذر المستثمرين تجاه الدول ذات مستويات الدين المرتفعة.
ويحدث ما يعرف بالعدوى المالية عندما يؤدي تراجع الثقة في قدرة دولة على إدارة ديونها إلى دفع المستثمرين نحو بيع سندات دول أخرى، حتى إن كانت أوضاعها الاقتصادية مختلفة. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف التمويل في أكثر من دولة، ويزيد الضغوط على الحكومات والشركات والمقترضين.
وتكمن أهمية هذه التطورات بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي في ضرورة ضمان انتقال آثار سياسته النقدية بصورة متوازنة بين الدول الأعضاء، من دون أن تتحول الفوارق في تكاليف الاقتراض إلى اضطرابات تعرقل فاعلية قراراته المتعلقة بأسعار الفائدة.
ومع ذلك، فإن اختلاف عوائد السندات بين الدول لا يشكل في حد ذاته أزمة، إذ يفترض أن يعكس مستويات الدين العام ومعدلات التضخم وآفاق النمو والمخاطر المالية لكل دولة. وتبرز المشكلة عندما تصبح التحركات حادة وغير منظمة، أو تتجاوز ما تبرره المؤشرات الاقتصادية.
أداة أوروبية لاحتواء اضطرابات الأسواق
يمتلك البنك المركزي الأوروبي أدوات للتدخل في أسواق السندات، أبرزها أداة حماية انتقال السياسة النقدية، التي أُطلقت عام 2022 لمواجهة التحركات غير المبررة وغير المنظمة التي تهدد انتقال آثار السياسة النقدية بين دول منطقة اليورو.
وتتيح الأداة للبنك شراء سندات دولة تواجه اضطرابات في أسواقها، بهدف الحد من التقلبات ودعم انتقال السياسة النقدية. ولا تضع الأداة سقفاً مسبقاً لحجم المشتريات، لكنها تخضع لمعايير تتعلق بالوضع المالي للدولة المعنية واستدامة ديونها والتزامها بالقواعد الاقتصادية الأوروبية.
ويمنح هذا الإطار البنك المركزي مرونة في التعامل مع الأزمات المحتملة، لكنه لا يعني أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يكفي تلقائياً لتفعيل الأداة، إذ ينبغي التمييز بين تقلبات الأسواق الطبيعية والاضطرابات التي تهدد استقرار النظام النقدي.
كما يمتلك البنك برنامج المعاملات النقدية المباشرة، الذي أُعلن عام 2012 خلال أزمة الديون الأوروبية، لكنه يخضع لشروط أكثر صرامة، من بينها ارتباط الدعم ببرنامج أوروبي يتضمن التزامات محددة بشأن السياسات الاقتصادية.
ولم يُفعّل أي من البرنامجين منذ إنشائه، ما يجعل أي تدخل مستقبلي خطوة ذات دلالات مالية وسياسية مهمة.
لماذا لا يتدخل البنك المركزي الأوروبي الآن؟
رغم تصاعد الضغوط على السندات الفرنسية، لا يرى مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي أن الظروف الحالية تستدعي التدخل. ويؤكد هذا الموقف أن مهمة البنك تتمثل في حماية استقرار السياسة النقدية، لا معالجة العجز المالي للدول أو تعويض الحكومات عن إخفاقاتها في إدارة الموازنات.
ويواجه أي تدخل محتمل تحديات عدة، أبرزها خطر أن يُفهم على أنه إنقاذ مالي لحكومة تواجه صعوبات في ضبط الإنفاق العام، الأمر الذي قد يضعف الحوافز على إجراء الإصلاحات الضرورية.
كذلك، قد تؤدي مشتريات السندات إلى ضخ سيولة إضافية في الأسواق، ما يفرض على البنك تقييم آثارها المحتملة على التضخم، خصوصاً أن استقرار الأسعار يمثل أحد أهدافه الأساسية.
ولهذا، يُرجح أن يعتمد البنك في المرحلة الأولى على التصريحات والتواصل مع الأسواق، بالتوازي مع دعوة الحكومة الفرنسية إلى إقرار موازنة موثوقة وخفض العجز وتحسين مسار الدين العام.
ويظل التدخل النقدي خياراً مطروحاً إذا تحولت الضغوط إلى اضطرابات حادة تهدد انتقال السياسة النقدية أو استقرار الأسواق في منطقة اليورو، شريطة توافر الشروط اللازمة لاستخدام الأدوات المتاحة.
الحل يبدأ من باريس
تضع أزمة السندات الفرنسية البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة دقيقة: احتواء الاضطرابات التي قد تهدد الاستقرار المالي الأوروبي، من دون أن يتحول إلى جهة تتحمل مسؤولية معالجة الاختلالات المالية للحكومات.
وفي المقابل، تبقى قدرة فرنسا على استعادة ثقة المستثمرين مرتبطة بمدى نجاحها في معالجة عجز الموازنة، وتمرير إجراءات مالية قابلة للتنفيذ، وتوفير قدر أكبر من الاستقرار السياسي.
وبينما تراقب الأسواق تحركات البنك المركزي الأوروبي، فإن المسار المالي والسياسي الفرنسي سيظل عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه عوائد السندات وحجم المخاطر التي قد تواجه بقية دول منطقة اليورو.
ولا تعني الضغوط الحالية بالضرورة تكرار أزمة الديون الأوروبية السابقة، لكنها تكشف أن استمرار الاختلالات المالية، إذا تزامن مع ضعف الثقة واضطرابات الأسواق، قد يعيد ملف الديون السيادية إلى صدارة التحديات الاقتصادية في القارة.
















