بقلم :حيدر خلف
في ورشة الخزف “موسم براحة الحرف ” ضمن نشاطات مؤسسة قنطرة الثقافية أكثر ما أدهشني تلك العلاقة الروحية الممزوجة بالمتعة الحسية والمادية وأنت تعجن الطين وتقطعه وتشكله اذ تستسلم الإرادة للخيال والخبرة ومن ثم تبحر اليد في أزمنة متداخلة انطلقا من مرحلة الطفولة والعب بالطين وصولاً إلى اللحظة الآنية حيث تتشكل المادة وتنتج الجمال بأبعاده الفكرية والاجتماعية والنفسية .
وقد عزز هذه المتعة مدربة الورشة الدكتورة جنان محمد التي تكحلت أعمالها بطين البصرة وتشكلت بين يديها مجسماتها الفنية “هن ” ومن هن ؟ نساء يفوح عبق الطيب والحناء، وتنبثق في جلساتهم حكايات في البراحة رصدتها الفنانة أجمل لحظاتهن العابرة لتجعلها حاضرة أمام الناظر ومستفزةً لذاكرته وعاطفته وكأنها تكسر حدود الزمان والمكان.
إن “هن “ليست مجرد مجسمات خزفية، بل ذاكرة حسية وعاطفية جسدتها جنان في أعمالها، لتستثير ذاكرة نساء جيلها والأجيال التي سبقتها مستعيدةً أجمل اللحظات العابرة التي تختزنها الذاكرة الجمعية. إنها لحظات تبدو للوهلة الأولى عابرة لكنها حين تتجسد في مادة الطين تتحول إلى أثر جمالي قادر على استحضار الغائب وإعادة تشكيله في وجدان المتلقي.
ومن المقاربات الجمالية التي تستوقفني في تجربة جنان محمد ما يطرحه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في رؤيته للخيال المادي إذ لا تكون المادة شيئاً نراه بأعيننا فحسب انما هي تجربة نعيشها بأجسادنا وخيالنا وإرادتنا.
فعندما يلمس الإنسان الطين ، فإنه لا يتعامل مع مادة جامدة وحسب انما يدخل معها في علاقة متبادلة تقاومه المادة أحياناً وتستجيب له أحياناً أخرى. وفي هذه المواجهة بين اليد والمادة يتوقد الخيال وتتولد الرغبة في الابتكار، وكأن فعل التشكيل حوار صامت بين الإنسان والعالم الذي يحاول أن يمنحه صورةً ومعنى. اذ يرفض باشلار اختزال الخيال في مجرد إعادة تركيب الأشياء التي شاهدناها سابقاً . فالخيال في تصوره قوة خلاقة تتجاوز استعادة الصور الجاهزة لتمنح المادة إمكانات وصوراً ومعاني جديدة. ومن هنا لا يعود الطين مجرد مادة قابلة للتشكيل بل يصبح وسيطاً تستعيد من خلاله الذاكرة صورها وتمنحها المخيلة حياة أخرى.
وهذا ما لمسته في تجربة جنان محمد، من “هن ” او الورشة الخزفية اذ تستعير من الذاكرة ما يستثير الخيال عبر أجمل لحظات ، لتعيد تشكيلها في هيئة فنية توقض رقاد ذاكرة جيل كامل وتمنحه فرصة السفر عبر الأزمنة. إنها استعارة جمالية للماضي، لا تقوم على استنساخه، بل على إعادة اكتشافه بخيال فني يمنح اللحظة العابرة قدرة على البقاء.إذ لم يكن اشتغالها مقتصراً على تقديم المهارة التقنية للمتدربين انما تجلى في قدرتها على إشراكهم في تجربة حسية وجمالية وهي تعجن الطين معهم وتفتح أمام أيديهم مساحات للتخيل والتشكيل. هنا يتحول التدريب إلى تجربة لاكتشاف العلاقة بين الذاكرة والمادة وبين ما تختزنه الذات من صور وما تستطيع اليد أن تمنحه لها من وجود.
إن الفنانة التي تستعير من تراثها أجمل اللحظات العابرة لا تعيد إنتاج الماضي بوصفه زمناً منتهياً انما تمنحه فرصة جديدة للحضور وتجعله قابلاً للتداول بين الأجيال عبر لغة الفن والجمال.ولعل أجمل ما تمنحه هذه التجربة هو أن اليد وهي تلامس الطين لا تشكل مادة فحسب بل تستدعي ذاكرةً وتوقظ عاطفة ًوتفتح نافذة على زمن لم يعد موجوداً إلا فينا.
هكذا يغدو الطين أكثر من مادة وتغدو “هن “أكثر من مجسمات خزفية تشكل معاً مساحة للتواصل بين الذاكرة والخيال وبين الفرد وذاكرته الجمعية وبين الأجيال التي تعبر الزمن محملة بحكاياتها وصورها.ومن هنا تتجلى قيمة هذه الورشة بوصفها اشتغالاً تواصلياً وجمالياً يمثل امتداداً لرسالة مؤسسة قنطرة الثقافية في بناء جسور التواصل بين الأجيال قنطرة لا تعبرها الأفكار وحدها بل تعبرها أيضاً الذاكرة والعاطفة حين تمنحهما يد الفنان شكلاً ويمنحهما الخيال حياة جديدة
Tamara Al-attiya
Qantara Foundation
جماليات الذاكرة والخيال في الخزف ” جنان محمد “
















